محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
306
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ويتعين على المريد في رياضته ومجاهدته أن يمنع حواسه ويكفّ جوارحه عن التطلّع والجولان في مظان « 1 » وجدان شهواته وسيىء عاداته ، وأن لا يجامعها ولا يتفق معها ؛ فإن ذلك منشأ كلّ شرّ ، ومنبع كلّ فساد وضرّ ، كما قيل : إن السلامة من سلمى وجارتها * أن لا تمرّ - على حال - بواديها فليراقب ربّه ، وليحفظ جوارحه وقلبه ؛ فإن الإنسان قد يتحرك مثلا في طلب الخير والعمل من أعمال البرّ فيتفق أن يقع بصره على شيء له فيه هوى وشهوة ، فتميل نفسه إليه بالشره والمحبة ، فيتكدّر عليه وقته ، ويظلم قلبه ، ويختلّ عليه في لحظة ما كابد أمرّه في سنة مثلا ، وكذلك سائر حواسه . وقد شبّه العلماء رضي اللّه عنهم النفس في مثل هذا بدابة استعارها رجل من ربّها ومالكها ليتصرف بها في حاجاته ، وكانت دابة جموحة صعبة المراس « 2 » ، فجاز بها المستعير في بعض تصرفاته على دار مولاها فنزعت إلى دار سيّدها ، فإنه لا محالة - يحتاج إلى صرف عنانها ، فإن تقاعست « 3 » ضربها بالسوط والعصا حتى يصرفها بذلك عما نزعت إليه ، وقد يكون عليه في ذلك تعب ومؤونة . وسبب ذلك إنما هو خطوره بها على دار مولاها الذي ألفته واعتادته ، ولو لم يمر بها عليه لسلم ، ولم يحتج إلى معاناة ولا مكابدة ، فإن تغافل عنها حتى أدخلت يديها في عتبة الباب واستمكنت منها ، ثم أراد منعها من الدخول لم تطعه بوجه بل اقتحمت به الدار كرها ، وربّما جرحت رأسه وآلمته . وسبب ذلك إنما هو تمكينها من العمل بمقتضى طبيعتها ، وموافقة جبلتها ، فكذلك حال النفس ، قال : فالنفس إن أعطيتها هواها * فاغرة نحو هواها فاها « 4 » فلذلك كانت الخلوة والعزلة من أوجب الواجبات على المريد ، فإنّ نفسه إذ ذاك تكون ساكنة هادئة قد نسيت عوائدها وفترت دواعيها ، وبمداومته على ذلك يحصل له من : التزكية ، والتخلية والاستقامة ، والطمأنينة ما هو المقصود بالرياضة والمجاهدة ، فإن اعتراه شيء مما ذكرناه اختل عليه حاله واحتاج من أجل ذلك إلى المجاهدة الشاقة والرياضة الصعبة ، وأنّى له مع ذلك تلافي ما فاته ! ! وقد قالوا « وقفة المريد شرّ من فترته » . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : والفرق بين الوقفة والفترة أن
--> ( 1 ) مظنة الشيء : موضعه ومألفه الذي يظن وجوده فيه . ( 2 ) صعبة المراس : أي صعبة المأخذ والمعالجة . ( 3 ) تقاعس عن الأمر : تأخّر . ( 4 ) فاغرة : فاتحة .